العدد رقم 45، شبـاط 2008
كاثلين كفاناف
محاضرة في مركز حقوق الإنسان الإيرلندي، جامعة إيرلندا الوطنية

تقودنا القضية المطروحة– التفاعل بين منظّمات حقوق الإنسان والمحكمة الإسرائيلية العليا –إلى روايتين منفصلتين. تقترح الرواية الأولى أن مجرّد الاشتباك مع الدولة (وحتّى مع إحدى دوائرها) يمنحها الشرعية. وخلافًا لذلك، تدّعي الرواية الثانية أن مثل هذا الاشتباك ليس من شأنه منح شرعية للدولة وإنما يسلط الضوء على الثغرات القضائية القائمة بين ادعاءات المحكمة (وكثير من قراراتها) وبين المعايير القضائية الدولية.

إن الادعاء القائل إن عملية التشابك مع المحكمة الإسرائيلية العليا يمكن لها أن تثمر عن تحقيق العدالة – تحقيقًا وهميًّا- يتحلّى بقيمة كبيرة. وعبر اختلاق مثل هذا الوهم، أضحت المنظّمات غير الحكومية منهمكة في حلقة نقاش "وهمية" (virtual) حول قضية حقوق الإنسان. ضمن هذا الفضاء القضائي، تتمدّد المعايير القضائية الدولية بقوّة وتنكشف عملية تسييس القانون (استنادًا إلى ضرورات أمنية). وبغية المنافسة، غالبًا ما يتعيّن على المنظّمات غير الحكومية تجاهل المسالك القضائية الأكثر تنافسًا التي يوفّرها القانون الدولي، وعوضًا عن ذلك تدخل في سجال  مع ادعاءات تقدّمها الدولة (كما توضح لنا قضية الأخيرة المتجسّدة في قطع إمدادات الوقود والكهرباء عن غزّة).

حين يتم قبول فكرة أن فضاء المحاججة يدخل في مساومات، في أحسن الحالات، ويعتريه الفساد، في أسوءها، تعرض المنظّمات غير الحكومية ويقدّم المحامون التساؤل التالي: هل هذا جدير بالعناء؟ جوابي على هذا التساؤل هو "نعم"، فإن التشابك مع المحكمة الإسرائيلية العليا والدخول معها في سجال يستحق هذا العناء، ولكن محاججتي هذه تقوم أكثر على إدراك ما يمكن خسارته أكثر من استنادها إلى ما يمكن تحقيقه.

إن تشابك المنظّمات غير الحكومية يفرض على المحكمة، حتّى عبر هذا الفضاء الضيّق، التعاطي مع القانون الدولي، والأهم، أنه يلزمها بتوثيق محاججاتها (وقراراتها). إن القرارات التي لا تنسجم مع القانون الدولي يتم فضحها عبر هذا الفضاء. لهذا تتحوّل هذه الثغرة القانونية إلى جزء من السجل التاريخي، حيث توفّر حالة الانتهاكات القضائية فرصة الكشف عن قضايا للمساءلة في الفترة الانتقالية.             
         

.