تصاعد خطير في سياسة الاعتقال الإداري بحق الفلسطينيين في الداخل: قرابة 300 ملف منظور أمام المحاكم الإسرائيلية
لطالما استُخدم الاعتقال الإداري بصورة شبه حصرية ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967. وخلال العامين الأخيرين شهدت أرقامه تصاعدًا ملحوظًا، إذ اعتقلت السلطات الإسرائيلية آلاف الفلسطينيين إداريًا. وبالتوازي، برز توسّع مقلق في نطاق تطبيق هذه السياسة داخل الخط الأخضر، حيث سُجّلت أيضًا عشرات حالات الاعتقال الإداري بحق فلسطينيين مواطنين في إسرائيل. الأمر الذي يُشير بأن السلطات الإسرائيلية قد تخلّت بشكل فعلي عن الاعتبارات التي تمنحها المواطنة لمثل هذا النوع من الاعتقالات.
تعرض هذه الورقة صورةً تحليلية لمعطيات وأعداد الاعتقالات الإدارية في أوساط الفلسطينيين في إسرائيل قبيل وبعد اندلاع حرب الإبادة على غزة، استنادًا إلى بيانات رسمية حصل عليها مركز عدالة بموجب طلب حرية معلومات قُدِّم إلى وزارة القضاء الإسرائيلية.
هذا وتُفيد المعيطات بأنه منذ بداية 2020 حتى 21 أيار 2025 فُتحت 560 قضية اعتقال إداري في المحاكم المركزية الإسرائيلية ضد مواطنين ومقيمين في إسرائيل (فلسطينيين في الداخل والقدس الشرقية). كما وأظهرت أنه قد قُدّم بنفس الفترة الزمنية ما لا يقل عن 175 استئنافًا للمحكمة العليا ضد هذه قرارات اعتقال إداري، والتي بدورها رفضت الغالبية الساحقة منها. وتبيّن أيضًا أنه منذ اندلاع حرب الإبادة حتى 21 أيار لعام 2025 قد تدوالت المحاكم المركزية في الداخل بـ 297 قضية، مما يُشير إلى تصاعدٍ غير مسبوق في استخدام هذه الأداة القمعية بحق المواطنين خلال فترة الإبادة.
وبالرغم من أن مركز عدالة طالب القضاء بتوفير تفاصيل شاملة حول هذه الملفات، بما يشمل هوية المعتقلين، الفئة العمرية، وفترات الاعتقال وعدد أوامر التمديد أو الإلغاء، غير أنّ إدارة المحاكم رفضت تزويد معظم هذه المعلومات متذرعة بسرية الجلسات وغياب تسجيل رقمي شامل لبعض التفاصيل منها أوامر التجديد. الأمر الذي يعكس حالة من التستّر المتعمد على حجم الانتهاكات التي تقوم بها السلطات الإسرائيلية بما فيها السلطة القضائية. ومع ذلك، يكشف ما نشروه، وإن كان جزئيًا، الدور الذي تؤديه المحاكم في المصادقة شبه التامة على كافة الأوامر الاعتقال الإداري، من دون أن تشكّل آلية رقابية فعلية، فضلاً عن اعتمادها على جلسات تستند إلى مواد سرّية، وهو ما يكشف الخلل البنيوي الكامن في هذا الإجراء.
البنية القانونية للاعتقال الإداري في الضفة الغربية وغزة
يُعتبر الاعتقال الإداري أحد أخطر الوسائل الاستثنائية التي تتيح اعتقال أشخاص دون محاكمة ودون تقديم لائحة اتهام، وذلك بالاستناد إلى مواد استخبارية سرّية لا يطّلع عليها المعتقل ولا محاميه. يقوم هذا النمط من الاعتقال على فرضية أن المعتقل قد يشكّل "خطرًا مستقبليًا"، حتى وإن لم يرتكب أي مخالفة فعلية، ما يضعه في مواجهة ادعاءات غامضة لا يعرفها ولا يملك أي وسيلة لتفنيدها.
ورثت إسرائيل نظام الاعتقال الإداري من أنظمة الطوارئ التي فرضها الانتداب البريطاني، لكنها وسّعته، جاعلةً منه آلية دائمة ومنزوعة من أي غطاء يدّعي أنه إجراء مؤقت أو استثنائي. ويُستخدم هذا النظام بشكل شبه حصري ضد الفلسطينيين، وإن كان وفق أطر قانونية مختلفة بحسب موقعهم سواءً كانوا من الضفة الغربية، أو غزة، أو القدس الشرقية، وأخيرًا الفلسطينيين حملة الجنسية الإسرائيلية.
في الضفة الغربية يُدار الاعتقال الإداري وفق أوامر عسكرية بموجب أمر بشأن الاعتقال الإداري (أمر مؤقت) (الضفة الغربية) [نص مدمج] (رقم 1591) لعام 2007، والذي يخول القادة العسكريين اعتقال الأفراد لمدة تصل إلى ستة أشهر إذا توفرت "أسباب معقولة للاعتقاد" بأن الأمن الإقليمي أو الأمن العام يقتضي ذلك، مع إمكانية التجديد لفترات إضافية مدتها ستة أشهر، من دون أي حد أقصى للمدة الإجمالية. وعمليًا، يتيح هذا لإسرائيل احتجاز الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال، لسنوات طويلة من دون أن تتم إدانتهم بأي مخالفة. وبينما يُخضع الفلسطينيون لهذا النظام الشامل، فإن الحالات المحدودة من الاعتقال الإداري المفروضة على المستوطنين الإسرائيليين تخضع لقانون صلاحيات الطوارئ (الاعتقالات). وفي مطلع عام 2025 أعلن وزير الأمن الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، إلغاء جميع أوامر الاعتقال الإداري بحق المستوطنين في الضفة الغربية، آمرًا بالإفراج الفوري عنهم من دون نية للتجديد.
أما في قطاع غزة، فيُنفَّذ الاعتقال الإداري بموجب قانون المقاتلين غير الشرعيين لعام 2002، الذي يجيز الاعتقال المطوَّل للأفراد المصنَّفين كـ"مقاتلين غير شرعيين"، من دون توجيه تهم أو توفير ضمانات المحاكمة العادلة. ومنذ بداية الإبادة الجماعية في غزة، اعتُقل آلاف الفلسطينيين من القطاع بموجب هذا القانون في مرافق تديرها مصلحة السجون الإسرائيلية، وكذلك في معسكرات عسكرية، بما في ذلك معسكر سدي تيمان في جنوب إسرائيل، ومعسكري عوفر وعَناتوت في الضفة الغربية. جدير بالذكر أنه في عام 2008، صادقت المحكمة العليا الإسرائيلية على قانون يمنح شرعية قضائية لتجريد المعتقلين من أبسط الضمانات القانونية الأساسية.
المواطنة والإقامة والاعتقال الإداري
بخلاف الوضع في الضفة الغربية وغزة، فإن الاعتقال الإداري يُفرض على المواطنين في الداخل وسكّان القدس الشرقية بموجب قانون صلاحيات الطوارئ (الاعتقال) لعام 1979. ورغم أن القانون يقيّد رسميًا استخدام هذه القوانين فقط في حالات الطوارئ، الا ان اسرائيل ما زالت في حالة طوارئ منذ إعلان استقلالها عام 1948. وبذلك، فإن قانون الاعتقال لا يُعتبر في جوهره قانونًا استثنائيًا للطوارئ، بل يعمل فعليًا كقانون عادي دائم. يحق فيه لوزير الأمن إصدار أمر اعتقال لمدّة تصل إلى ستة أشهر، قابلة للتجديد، إذا كان لديه "أساس معقول للافتراض بأن دواعي أمن الدولة أو أمن الجمهور تستلزم ذلك". ويجب أن يصادق رئيس محكمة مركزية على أمر الاعتقال خلال 48 ساعة من التوقيف، ويمكن استئناف القرار أمام أي قاضٍ من قضاة المحكمة العليا. وفي معظم الحالات، أقرّت المحاكم استخدام الاعتقال الإداري، رغم اعترافها الشكلي بطبيعته المتطرّفة وبأنه من المفترض أن يُحصر في ظروف استثنائية.
يختلف قانون صلاحيات الطوارئ (الاعتقال) لعام 1979 عن بقية الأطر في كونه قانونًا مدنيًا صادرًا عن الكنيست لا أمرًا عسكريًا ولا تشريعًا أمنيًا استثنائيًا. ويشكّل هذا القانون محور التركيز في هذا النقاش نظرًا لارتباطه المباشر بحملة المواطنة الإسرائيلية والإقامة داخلها.
تُبيّن القضايا الأخيرة التي قدّم فيها مركز عدالة التمثيل القانوني، أو قام بمتابعتها، الطابع التعسفي لتطبيق الاعتقال الإداري بشكل مُتزايد منذ 7 تشرين الأول 2023. على سبيل المثال، في كانون الأول 2024، قدّم عدالة بالشراكة مع مؤسسة الميزان لحقوق الإنسان استئنافًا إلى المحكمة العليا باسم مواطن فلسطيني في إسرائيل الذي وُضع رهن الاعتقال الإداري بعد أيام قليلة فقط من إعلان وزير الأمن، إسرائيل كاتس، أنه سيمتنع عن إصدار مثل هذه الأوامر بحق المستوطنين الإسرائيليين. ورغم أن المعتقل كان يتمتّع بعمل ثابت، وحياة عائلية مستقرة، ولا يملك أي سجل جنائي —وهي عوامل تقوّض بوضوح أي ادعاء بوجود تهديد أمني وفقًا للعقلية الإسرائيلية— فإن المحكمة صادقت على اعتقاله استنادًا إلى أدلة سرّية ورفضت التعامل مع الطابع التمييزي للاعتقال الإداري.
قضية أخرى مثّل فيها عدالة القائد السياسي رجا إغبارية، الذي يبلغ من العمر 73 عامًا، بعد أن وضعته السلطات رهن الاعتقال الإداري بين نيسان وآب 2025. يُجدر ذكر بأن رجا قد أفاد عن تعرضه لانتهاكات جسدية خطيرة خلال فترة اعتقاله، بما في ذلك الضرب مكان خضوعه لعملية جراحية سابقة. الأمر الذي يبيّن كيف يوفّر الاعتقال الإداري بيئة للتعذيب وسوء المعاملة داخل السجون.
لفت نظر عدالة خلال إحدى الجلسات بأن القضاة أنفسهم قد اقترحوا بدلاً من فرض الاعتقال الإداري إرسال المتهمين إلى خارج إسرائيل طوال مدة الاعتقال المقترحة. تكشف مثل هذه الاقتراحات غياب أي تهديد أمني حقيقي أو حاجة للتحقيق، وتوضح أن الهدف الفعلي ليس الوقاية.
صورة على الأعوام الخمس الماضية
تكشف السنوات الماضية مدى ترسّخ نظام الاعتقال الإداري في المنظومة القضائية الإسرائيلية. حيث يعمل الاعتقال الإداري كوسيلة لإسرائيل للالتفاف على التزاماتها الدولية بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. ومن خلال الاستدعاء الدائم لـ"حالة الطوارئ"، تُطبّع إسرائيل استخدام هذا الإجراء الاستثنائي، جاعلةً منه ممارسة عادية ومنزوعة من أي طابع استثنائي، مما يتيح للدولة التحايل على التزاماتها العديدة، مثل حظر الاعتقال التعسفي، والحق في المحاكمة العادلة، والضمانات المكفولة للمدنيين بموجب اتفاقية جنيف الرابعة والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. عمليًا، أصبح الاعتقال الإداري واجهة قانونية تمكّن إسرائيل من احتجاز الفلسطينيين إلى أجل غير مسمّى من دون تهمة أو محاكمة، في تقويض مباشر للإطار القانوني للمساءلة الذي أرسته قواعد القانون الدولي.
تُظهر المُعطيات الصادرة عن المحاكم المركزية والتي حصل عليها مركز عدالة تأكيدًا إضافيًا على استخدام سياسة الاعتقال الإداري ضد المواطنين الفلسطينيين بشكل شبه حصري. حيث وصل عدد الملفات التي تم فتحها في المحاكم المركزية إلى 560 ملف في جميع المحافظات: القدس، الشمال، حيفا، مركز البلاد وجنوبها، منذ بداية 2020 حتى 21 أيار 2025.
تتبع الرسوم البيانية أدناه صورة حول عدد الملفات في المحاكم المركزية الأربع باستثناء القُدس (هذا الاستثناء هو لعدم وجود معلومات دقيقة حول أرقام القدس قبل السنوات الخمس وتعقيد وضع المواطنة والإقامة فيها)، ومع ذلك تُظهر البيانات أن المحكمة المركزية في القدس تتصدر جميع المحاكم من حيث عدد القضايا، إذ انفردت بالنظر في 376 ملفًا، أي ما يزيد عن ثلثي العدد الإجمالي، مما يعكس أن المقدسيين هم الأكثر عرضة للاستهداف من خلال هذه الأداة القمعية.
وأثّر عدم منح وزارة القضاء معلومات كافية بما يشمل هوية المعتقلين، الفئة العمرية، وفترات الاعتقال وعدد أوامر التمديد أو الإلغاء على قدرة هذه المعُطيات على معرفة عدد الملفات الأصلية وملفات طلبات تجديد الإعتقال الإداري. ومع ذلك تُظهر المعطيات صورة مقلقة تتلخّص بتصاعد غير مسبوق الاعتقالات الإدارية بين أوساط المواطنين.
يظهر الرسم البياني أعلاه بأن من بين المحاكم المركزية في الداخل، تتصدر محكمة حيفا عدد الملفات التي تداولت بها، حيث وصل إلى 71 ملفًا، غالبيتهم بعد السابع من تشرين الأول 2023، وتشمل في نطاق لوائها بلدات: أم الفحم، كفرقرع، عكا، طمرة، شفاعمرو، بئر المكسور، وجسر الزرقاء. ثم تليها المحكمة المركزية في المنطقة المركز بـ56 ملفًا، وتشمل مدن يافا، اللد، الرملة، وغيرها. ومن ثم المحكمة المركزية في الناصرة بـ33 ملفًا، وأخيرًا محكمة بئر السبع بـ24 ملفًا، والتي تشمل القرى العربية في جنوب البلاد. ومن اللافت أن 20 ملفًا من أصل 24 في بئر السبع قد فُتحت بعد السابع من تشرين الأول 2023، في مؤشر واضح على وجود حملة شرسة تستهدف الفلسطينيين في النقب أيضًا في هذا الأداة.





